الشيخ الطبرسي
126
تفسير مجمع البيان
الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ( وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ) أي : أرصدوا ذلك المسجد ، واتخذوه ، وأعدوا لأبي عامر الراهب ، وهو الذي حارب الله ورسوله من قبل ، وكان من قصته أنه كان قد ترهب في الجاهلية ، ولبس المسوح ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، المدينة ، حسده ، وحزب عليه الأحزاب ، ثم هرب بعد فتح مكة إلى الطائف ، فلما أسلم أهل الطائف ، لحق بالشام ، وخرج إلى الروم ، وتنصر وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة الذي قتل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يوم أحد ، وكان جنبا فغسلته الملائكة ، وسمى رسول الله صلى الله عليه وآله مسلم ، أبا عامر الفاسق . وكان قد أرسل إلى المنافقين أن استعدوا ، وابنوا مسجدا ، فإني أذهب إلى قيصر ، وآتي من عنده بجنود ، وأخرج محمدا من المدينة ، فكان هؤلاء المنافقون يتوقعون أن يجيئهم أبو عامر ، فمات قبل أن يبلغ ملك الروم . ( وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ) معناه : أن هؤلاء يحلفون كاذبين : ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الفعلة الحسنى ، من التوسعة على أهل الضعف ، والعلة من المسلمين ، فأطلع الله نبيه على فساد طويتهم ( 1 ) ، وخبث سريرتهم ، فقال : ( والله يشهد أنهم لكاذبون ) وكفى لمن يشهد الله سبحانه بكذبه خزيا ، فوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عند قدومه من تبوك ، عاصم بن عوف العجلاني ، ومالك بن الدخشم ، وكان مالك من بني عمرو بن عوف ، فقال لهما : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله ، فاهدماه ، وحرقاه . وروي أنه بعث عمار بن ياسر ووحشيا ، فحرقاه ، وأمر بأن يتخذ كناسة يلقى فيها الجيف . ثم نهى الله سبحانه أن يقوم في هذا المسجد ، فقال : ( لا تقم فيه أبدا ) أي لا تصل فيه أبدا ، يقال فلان يقوم بالليل أي : يصلي ، ثم أقسم فقال ( لمسجد ) أي : والله لمسجد ( أسس على التقوى ) أي : بني أصله على تقوى الله ، وطاعته ( من أول يوم ) أي : منذ أول يوم وضع أساسه ، عن المبرد ( أحق أن تقوم فيه ) أي : أولى بأن تصلي فيه . واختلف في هذا المسجد ، فقيل : هو مسجد قباء ، عن ابن عباس ، والحسن ، وعروة بن الزبير . وقيل : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عن زيد بن
--> ( 1 ) الطوية : النية والضمير .